غدا صباحا يصل وليد دهمان إلى قطاع غزة. من دهشتها تكذّب أمه الخبر، وتعتبره إشاعة، خرافة مثل عودة الفلسطينيين إلى بلادهم.
  تسأل في الصباح: "يا ترى رح يرجع ابني وأشوفه قبل ما أموت.. واحكي له اللي خبّيته عنّه واللي ما خبيتوش؟!".
  ثمانية وثلاثون عاما وهي تكرر السؤال، وتنصت لهمس الريح فيوشوشها صدى السؤال. تلملم خيبتها وتطويها مع الفراش. وفي المساء، تنام مع الخيبة وتستيقظ صباحا على السؤال. وحين هاتفها وليد وكادت تسمع صوته في لندن: "اني جاي عَ غزة يمة..راجع عَ لِبلاد"، لم تصدّقه، وهذت محمومة ترتعش بالمفاجأة: "وإيش بدو يجيبك بعد هالغيبة الطويلة يمّه؟!".         
 
يصل وليد قرابة التاسعة. لم تعد زيارته فكرة أو مجرد احتمال. فقد ابتاع تذكرة سفر الى تل أبيب، واختار موعدا ينتهي به عند أمه في هذا الوقت بالذات، كي يتناولا معا، طعام إفطار قال أنها تعدّه منذ ثمانية وثلاثين عاما وحان موعده.
  حمل حقيبته الكبيرة. علّق على كتفه الأيسر حقيبة صغيرة. وضع جواز سفره البريطاني في جيب قميصه فوق القلب مباشرة. أغلق الباب خلفه ومضى.
 
  يلتقي وليد أمه في شقة لم يدخلها من قبل، يطلقون عليها "شقة العزّابي الأخير". تتكوّن الشقة من غرفتين تطلّ احداهما على شارعين خصصت لإقامته. جهّزت الغرفة بسرير خشبي وكنبة عريضة ومكتب متواضع، سوف يجلس اليه وليد كثيرا. يتصفح في الصباح مواقع الانترنيت الاخبارية. يلقي نظرة على بريده الاليكتروني ويرد على ما يتلقاه من رسائل. يتابع كتابة روايته الرابعة "موطن الظلال"، التي لم تزل الكثير من تفاصيلها معلقة على رحلته.
  لا يعرف وليد أنه سوف يستيقظ كل صباح على ضوء شمس مستعملة مرّت بمستوطنة دوغيت اليهودية. تدريجيا، سوف يستوعب الظاهرة الغريبة ويفعل ما يفعله الآخرون: يغسل الشمس بالأماني ويخلّصها من ظلال الاحتمالات، فتبقى نظيفة النهار كله. وحين تنسحب نحو المغيب، تتلقفها بيوت مستوطنة نتسانيت، ويسمع وليد، مثل الآخرين، أصوات تكسّر أشعتها خلف أفق من أسلاك شائكة وثكنات عسكرية تعلوها أبراج مراقبة. وفي الصباح، تشرق الشمس ثانية مستعملة كعادتها. 
=========
 
  كان يتحدث وكلماته تلهث بين شفتيه، ومحمد يلهث الى جانبه كأنما يصعدان الهرم معا. يشد وليد بيديه الحبال، ويتلمّسها محمد بمشاعره بينما قدماه تتحسّس السلالم تحتهما، إلى أن بلغا نهاية الممر الطويل.
  وفي حضرة الفرعون العظيم، الذي سرق اللصوص عمره المحنط، فرد الصديقان قامتيهما بشموخ، وراحا يتأملان التابوت المصنوع من الغرانيت، يقرآن معا بعيني وليد تضاريس النقوش ويترجمان بمشاعرهما النصوص.
  حدّثه وليد عن هيروغليفية الفراعنة، عن مفردات ما يزال المصريون يستخدمون العديد منها حتى اليوم. يقول ويردّد محمد خلفه القول: سَحْ، دَح، امبو، كَع، كُخ، بَح، مّمْ، نّنْ، تي، تي..تي..تي..نف ره ره، نف ره تي تي، نفرة تيتي نفره تيتي.
  "مين نفره تيتي يا وليد؟".
  "نفره تيتي يا صديقي، كانت ملكة زوجة الفرعون اخناتون. واسمها معناه الحلوة اللي جاية".
  وأخذ يصف له "الحلوة اللي جاية". يرسم لصديقه بحروف الكلام تفاصيل بارزة لملامحها. وكان عقل محمد يتشرب التفاصيل وتختزنها ذاكرته. وما أن انتهى وليد من حكاية الملكة الجميلة، حتى أمال محمد رأسه الى الخلف وإلى اليسار قليلا، كما لو كان يبحث عنها في عتمة عينيه. ثم فتح شفتين تتعكزان على ابتسامة مائلة وهتف: "يا الـاااااااااااااه.. قدّيش حلوة هالملكة".
  حرك أصابعه في الهواء في مساحات محسوبة بدقة. تشكلت أمام وليد هيئة الملكة مثل ظل من وهم أبيض أبدعته أنامل نحات كفيف. امتشقت قامة الملكة في الفضاء، ونمت تفاصيل جسدها الرخامي. وما أن انتهى محمد من نحت جسد نفره تيتي بدهان من ذاكرته، حتى بدأت الملكة الجميلة تتمشى عارية أمام الصديقين، بجسدها العاجي وملامحها النوبية، كما كانت تتمشى أمام فراش الملك الشاب قبل آلاف السنين. 
  فجأة توقف وليد. تسمّرت قدماه في الأرض. صرخ: "لا أصدق.. أنت نحات مدهش يا محمد..كأنها هيّ بالزّبط.. أوِعْدَك لمّا أرجع من مصر، أجيب لك تمثال كبير لنفره تيتي، وتشوف مين أحسن، اللي رح أجيبه والا تمثالك".
  وضحك الصديقان معا، مستمتعان بلعبة نحت جرت في الهواء الطلق.
 
=================
 
  قدمتني سارة للشاب بعبارة بدت معدّة سلفا: "دانا أهوفا .. أجمل صديقاتي وأحلى نجمة صاعدة في اسرائيل".
  انحنى الشاب بطريقة مهذبة أنيقة. ثم التقط كفّي اليمنى وترك لي قبلة دافئة عليها، وقال بضع كلمات بلغة لا أفهمها، لكنها ابقت شفتيه مفتوحتين على ابتسامة لا تقاوم انهى بها ما قال. شهقت، وأغلقت فمي بباطن كفي اليسرى، فأردف سريعا، يعيد ما قاله بالانجليزية:
  Nice to meet you Miss Ahuva""
  ضحكت وضحكت سارة التي سارعت تفسر ضحكنا: "أهوفا بالعبرية تعني محبوبة يا بوريس، هذا ما يطلقه عشاق دانا على نجمتهم".
  عقب بلباقة: "إذن لم ابتعد كثيرا..فأنت تستحقين لقب الآنسة المحبوبة..وبلغتنا مِس فزلوبلينيا мисс возлюблення".
وتدخلت سارة مرة ثانية، ولكن لتقدم لي الشاب هذه المرة: "بوريس ابراموفيتش، يهودي اوكراني هاجر أخيرا الى لندن ولم يذهب الى اسرائيل".
وانسحبت تاركة لي غمزة بطرف عينها، وشابا لا أعرف كيف تخلّت عنه سارة ولم تحتفظ به لنفسها.
  منذ لحظة التعارف تلك، لم يترك أحدنا الآخر. صرنا نتحرك معا، ونأكل معا، ونجلس معا، كأننا فالس لا يؤديه أي منا بمفرده.
في ذلك المساء الجميل، لم تتوقف عينا سارة عن امطاري بغمزات ساخنة، ولم تتوقف شفتاها عن همس كان يذيبني: "سنراك كثيرا في لندن يا حبيبتي". ولم نتوقف نحن عن الشراب والرقص، الى ان انتهيت مستسلمة لبوريس قرابة الفجر في شقته في هامر سميث.
==============================
 
 
 
 
مختارات من السيدة من تل ابيب

طبعة ثانية جديدة من "طعم الفراق"

 

عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت وعمان، و"مكتبة كل شيء" في حيفا، صدرت طبعة ثانية جديدة من "طعم الفراق..ثلاثة أجيال فلسطينية في ذاكرة"، السيرة الروائية للكاتب الفلسطيني البريطاني ربعي المدهون، والتي صدرت طبعتها الأولى عام 2001.

على غلاف الرواية نقرأ للشاعر والكاتب الأردني أمجد ناصر: هذه " أوذيسا فلسطينية تماثل ما في الميثولوجيا الأغريقية، إلا أنها لم تأت من مخيلة مثلها، بل صنعت من لحم ودم". ويكتب الناقد الفلسطيني عمر شبانة: سرد ينتمي إلى الحكائي -  الأسطوري والتاريخ الشفوي، يذهب في اتجاه الروح الملحمية موضوعا ومعالجة، حيث يعاد خلق الشخوص والحوادث على نحو يمتزج فيه الواقعي والأسطوري". وفي اتجاه قريب، يقول الكاتب الليبي، فرج بو العشة: "سرد ذو حمولة شعرية – ضد غنائية – في بعده الروائي، يستنطق المسكوت عنه، في المألوف اليومي والمحفوظ الشفوي".

   ويلخص الكاتب سيرته على الغلاف في السطور التالية:

المجدل عسقلان شتاء 1948. الطائرات الحربية ترسم بالدم ملامح النكبة وتقرر شروط الرحيل. يتناثر سكان المدينة شظايا على تفاصيلها. يحمل الأب صغيره على كتفيه. تحتضن الأم الطفل الأصغر بين ذراعيها. يبتلعهم موج الفارين بأرواحهم إلى غزة. يُنبت رعد فجيعتهم خياما تنتشر كالفطر بين الريح والكثبان الرملية. هناك تستقرّ العائلة الصغيرة. تصبح رقما في بطاقة تموين.

بعد خمسين عاما، يصير اللاجئ الصغير كهلا، يحمل على حاضره القلِق خمسة عقود من الشتات. في الطريق إلى عمله في لندن في صباح عادي، تفاجئه ذاكرته. في حضوره تعرّي أسراره. تروي له حكايات العمر كله: حارات الطفولة، شباب المنافي ودهاليز المعتقلات. تبكيه أصدقاء أخذتهم المذابح. تذكّره بحروب أثقلتها بشاعة التفاصيل. تراقبه مقاتلا كفَّنَ بندقيته بالخوف كي لا يقاتل. تعاتبه على زفاف عروس إليه في خان يونس من دونه، وعلى تمضيته ليلة العمر مع صورتها في دمشق. ترسم له بضوء عاشق، ظلا لأجمل حكاية حب تركها معلقة على جدار عند مفترق الحكايات.