االسفير اللبنانية

اسكندر حبش عن رواية السيدة من تل أبيب : أختار هذا الكتاب

 
يبدو السرد الفلسطيني الراهن – في بعض منه بالتأكيد – كأنّه يعيد علينا طرح العديد من الأسئلة التي لم تكن موجودة من قبل، إن من جهّة موضوعاته، وإن من جهة أسلوبه، أقصد الخيارات الكتابية التي ينحاز إليها. من هذا الجانب، يمكن أن نتحدث، بمعنى من المعاني، عن أدب مقاومة كما عن أدب ما بعد اتفاقيات أوسلو (ناهيك عن ذاك الأدب الواقف بينهما)، بحيث إنها شكلت عودة ما ولو كانت عودة «افتراضية» عند الكثيرين.
وفقاً لهذه الأطروحة التي أتكلم عنها، تأتي رواية ربعي المدهون «السيدة من تل أبيب»، الصادرة حديثاً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، حيث يتشكل فضاؤها من هذين القطبين. فمن ناحية سرديتها، نجد خياراً كتابياً، لا ينحاز إليه العديد من الكتاب، وإن لا يعتبر غريباً عن الأدب. إننا أمام ثلاث روايات متداخلة، أو لنقل، فيما لو استعدنا المقولة القديمة، ثمة روايات داخل الرواية، إذ نحن أمام وليد دهمان، الذي كان يكتب عن بطل يدعى عادل البشيتي، لكن نظراً إلى رغبة المؤلف في العودة إلى غزة لزيارة والدته بعد 38 سنة، تنقلب الحكاية، فيصبح الروائي هو البطل عبر حكايته مع الممثلة الإسرائيلية دانا أهوفا، في الطائرة التي كانت تقلهما إلى مطار تل أبيب، من المطار اللندني، كما أننا أمام الحكاية التي يرويها المدهون.
أول ما شدّني إلى الكتاب، هي هذه المتعة السردية التي ينجح المؤلف في إدخالنا إلى حميميتها. متعة أن نرى أيضاً هذه الرحلات، من غزة إلى منفى أول، ومن ثم إلى منفى ثان هو لندن، ومن هناك إلى تل أبيب، ومن ثم إلى غزة ومنها العودة إلى المكان البعيد. أمكنة تختصر الشتات الفلسطيني بأسره، لكن ما أنحاز إليه، عدم سقوط الكاتب في الوقوع في السهل وفي الأفكار الجاهزة، أي عدم استعادته ذاك الخطاب الديماغوجي، الذي جعل قسماً من الرواية العربية تقع أسيرة إيديولوجيتها. بالتأكيد لا أتحدث عن المقاومة وعن التحرير وعمّا تريدونه، لكننا فعلا ندخل إلى قلب هذا الآخر، بعيداً عن صوره النمطية. ولأستدرك: يفصل الكاتب جيداً بين جنود الاحتلال وبين هذه الممثلة على سبيل المثال، كما يخبرنا عن شخصية ثالثة أجدها محورية، هي شخصية بوريس ابراموفيتش الأوكراني اليهودي، الذي كان يرغب في الهجرة إلى أرض الميعاد، لكنه لم يستطع البقاء لعدة أسباب. وبين ذلك كلّه، العديد من الحيوات التي تنساب أمامنا لتقدم لنا رواية، نستطيع أن نصفها بالراهنة، أي أنها نابعة من هذه اللحظة المعيشة بعيداً عن أي أحكام مسبقة، ففي الكتابة والرحلة، تُكتشف هذه الحياة بكل ما تحمل من أبعاد.
حكايات جميلة يلتقطها ربعي المدهون في روايته هذه. ربما صحيح أننا نجد عدداً من الملاحظات التي لا بد أن تطرحها علينا أشكال السرد، كما موضوعاتها، وبعضنا قد يرفضها ولا يوافق عليها، إلا أننا لا نستطيع أن نرفض كليّاً هذا الخيار الذي ينحاز إليه الكاتب. أصلاً كلّ كتابة هي خيار، وإلا ما جدواها عندئذ. من هنا أختار هذا الكتاب

2009-09-26






حيرة العائد إلى البيت

منار ديب

حين كان الكاتب الفلسطيني الذي يحمل الجنسية البريطانية، ربعي المدهون، قادماً من لندن ومتجهاً إلى بلاده لزيارة والدته في قطاع غزة عبر مطار تل أبيب، جلست إلى جواره في الطائرة، امرأة شقراء تبين أنها الممثلة الإسرائيلية أورلي فاينرمان، التي تقول بعض المصادر الصحافية إنها على علاقة مع ابن زعيم عربي. من هذا المعطى الواقعي الذي توقف عند هذا الحد، انطلق المدهون في كتابة روايته "السيدة من تل أبيب".
فاينرمان ستتحول في الرواية إلى دانا أهوفا، وسيدور بينها وبين الراوي حديث طويل. كما ستخلق شخصية تعرف الاثنين هي اليهودي الأوكراني بوريس، الصديق السابق لأهوفا الذي أقنعته بمغادرة لندن و(العودة) إلى (ارض الميعاد). وبوريس جمعته صداقة بالراوي في لندن. وإذا كانت دانا (هي من أقنعته بالهجرة إلى إسرائيل، فإن الراوي وليد دهمان هو من تجعله تحذيراته يقوم بهجرة معاكسة خاصة بعد أن خدم بوريس في (المناطق وشهد قمع الاحتلال للمدنيين الفلسطينيين

تجدر الإشارة إلى أن الحدود بين الراوي وبين بطله وليد دهمان ليست واضحة، وإن حاول الكاتب إنشاء رواية عنوانها “ظلان لبيت واحد” داخل الرواية حملت توقيع دهمان، أو سعى إلى التمييز بين الصوتين باستعمال شكل طباعي مختلف، وستتعقد الأمور أكثر مع ظهور عادل البشيتي بطل وليد دهمان بطل الراوي. وعادل هذا فلسطيني من غزة مقيم في ألمانيا يعود بعد سنوات للبحث عن ليلى دهمان التي أحبها ولم يتمكن من الزواج منها، ليكتشف أن ثمة امرأتين تحملان الاسم نفسه، ويساعده وليد في العثور على ليلى المقصودة، لكننا لا نعرف ما سيكون عليه مصير اللقاء

وإذا كان الكاتب يجعل الإضافة التخيلية ممكنة على المعطيات الواقعية، فلأنه كروائي يدرك أن الأمر لا يتعلق بقصته الشخصية وحدها، بل ثمة العديد من القصص المشابهة التي خلقتها العلاقة المأساوية مع المكان. وإذا كانت الرواية قد حملت عنوان "السيدة من تل أبيب"، أي أهوفا، فإن الأخيرة لا تحتل الحيز الأكبر من الرواية حتى مع تفاصيل علاقتها مع ابن الزعيم العربي، أو حياتها في تل أبيب. والكاتب وإن حاول أنسنة صورة العدو، لا بالوقوع في وهم التطبيع بالضرورة، بل في محاولة لاختراق ذلك الحائط المدهش من الفصل بين إنسانية وعادية الأفراد الذين يشكلون بمجموعهم العدو، وبين انعدام الحساسية والتوحش غير المفهوم حين يتعلق الأمر بالآخر الفلسطيني، هذه الأفعال التي تكون بمحصلتها احتلالاً وتحول الإسرائيلي إلى عدو بالبداهة

إلا أن القسم الأكثر غنى في الكتاب، تعلق الأمر بالراوي أو بوليد دهمان وبشكل أقل بعادل، فهو تلك الإطلالة التسجيلية في جانب منها على واقع غزة. وإذا كانت العديد من الكتب الفلسطينية، في الآونة الأخيرة، قد سعت إلى تقديم التجربة الشخصية وتصوير الواقع تحت الاحتلال بشكل حي، كما لدى مريد البرغوثي في "رأيت رام الله"، ثم في كتابه الأخير "ولدت هناك، ولدت هنا"، فإن المدهون يجعلنا نقترب من حياة الناس في قطاع غزة بعيداً عن التوصيفات العمومية لنشرات الأخبار، ونشارك في المعاناة وفي مفارقاتها الساخرة أيضاً عبر سرد سلس ولغة شيقة

المكان المتعذر كان بسبب الاحتلال أو بعد قيام واقع آخر بسبب احتلال أقدم، فالكاتب ينتمي إلى المجدل في أراضي 48 ونشأ لاجئاً في غزة، يظهر مبلبلاً بالانقسام السياسي والتخلف والتراجع الاجتماعي، والعودة التي تتم بعد أكثر من أربعين عاماً، إذ يمنع الكاتب من الرجوع إلى أهله في القطاع بعد عدوان 67، تبدو أشبه بزيارة إلى مكان صار غريباً. فالأشخاص الذين شكلوا ذكريات الطفولة وكونوا الوعي الأول، يتغيرون بتأثير سلسلة معقدة من التحولات التاريخية، ويعرفون مصائر لا تخطر بالبال. فصورة الوطن النقية في الروح والواضحة في الوجدان، لا تتطابق مع الصورة الواقعية المشتتة والتي يصعب الإمساك بها، إنها حيرة العائد إذ استعملنا عبارة محمود درويش

إذا كان الكاتب يرى أنه هو والآخر العدو "ظلان لبيت واحد"، فإنه ربما يعطي صبغة محايدة للمكان الذي جرّفه المعتدي وجرّف تاريخه وحوله إلى أنقاض. العدو الذي لا تستحق مدنه المبنية على القرى العربية المهدمة الإعجاب، ولا تستحق لغته التعاطف وحياته العصرية الاشتهاء (كما في رواية العراقي علي بدر “مصابيح أورشليم” أيضاً)، الكاتب وهو اللاجئ والمنفي والذي لا يريد الآخر(وهو تعبير مهذب لا يستأهله) الفاشي العنصري  حتى أن يرى ظل ظله المنسحب. هل الابتعاد يعقلن المعايير ويجردها عن العواطف، فلا تصرخ أمام الظل المهيمن، أم هو التسليم والقبول الحضاري المرحب به عالمياً في لغات أخرى، لكن ليس في لغة الأم التي قطع المؤلف آلاف الأميال ليراها. ليست علاقة البشر بالبيت – الوطن علاقة ظلال، وإن راقت للكاتب لعبة الظلال والمرايا والتباس الهويات الشخصية والقومية وتداخلها، فهناك من بنى البيت هناك، وتاريخ المكان تاريخ ناسه، ولا مكان بلا تاريخ ورائحة، والمكان ليس للطارئين ولا يوزع عليهم بالتساوي

يذكر أن الرواية اختيرت ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية / البوكر/ التي تضم ست روايات




مداخلة النّاقد أنطوان شلحت


السّيدةُ مِن تل أبيب روايةٌ جديدةٌ، تؤسّسُ حالةً مِنَ الانسجامِ في تدوين رؤيةٍ عميقةٍ للواقع
"السّيّدةُ من تل أبيب" هي أوّلُ روايةٍ للكاتب الفلسطينيّ ربعي المدهون، الّذي سبقَ لنا أن طالعناهُ كاتبًا للقصّةِ القصيرة، وباحثًا في الشّؤون السّياسيّة. ويبدو لي أنّ ظاهرةَ كتابةِ الرّوايةِ في سنٍّ متقدِّمةٍ قليلاً، ليستْ ظاهرةً طارئةً في الثّقافةِ الفلسطينيّة، فالكاتبُ إميل حبيبي مثلاً، الّذي قدّم للأدب الفلسطينيِّ إحدى أهمِّ الرّوايات، كتب "المتشائل"، وهي أولى رواياتِهِ، في أوائل السّبعينيات مِن القرن العشرين، وكان قد تجاوز الخمسين عامًا.
لعلّ أوّلَ سؤال يتبادرُ إلى الذّهن، في إثر قراءةِ روايةِ المدهون، يتعلّقُ بموضوع التّقاطع أو الاشتباكِ بينَ أحداثِ الرّوايةِ وشخوصِها، وبينَ وقائع السّيرةِ الذّاتيّةِ للكاتب وشخوصِهِ الحقيقيّةِ أو الواقعيّة. واختزالاً للمواصفاتِ أبادرُ فأقول: إنّ هذهِ الرّوايةَ ليستْ متنائيةً عن صنفِ أو جنس السّيرةِ الذّاتيّة المموّهة، (وثمّةَ مَن يعتقدُ أنّ الرّوايةَ أصلاً هي عبارةٌ عن سيرةٍ ذاتيّةٍ مموّهة)، ولعلّها في الوقتِ نفسِهِ سيرةٌ ذاتيّةٌ مفنّنة. ويبدو أنّ هذا الجنسَ ألحَّ على الكاتب في ضوءِ العلاقةِ شديدةِ الخصوصيّة، بينَ الكاتب الفلسطينيِّ وبينَ الزّمانِ والمكانِ على حدٍّ سواء. وإنّ فحوى هذهِ العلاقةِ ينطلق مِنَ السّيروراتِ التّالية:
• المكان- في أيّ بقعةٍ مِن العالم، في معظمِهِ، يعيش الإنسانُ في المكان، أمّا الإنسان الفلسطينيُّ فإنّ المكانَ يعيشُ فيه؛
• الزّمان- علاقةُ الفلسطينيِّ بالزّمان الماضي تتميّزُ برؤية ذلك الماضي مقطوعًا عن الحاضر، وبرؤيةِ الحاضر "زمانًا بالوكالة" أو حتى إشعارٍ آخر، فضلاً عن انطواءِ الماضي على سماتٍ لا يجوزُ التّغاضي عنها لدى صوْغ المستقبل.
في موازاةِ ذلك، فإنّ روايةَ المدهون تندرجُ في إطارِ ظاهرةٍ أدبيّةٍ وروائيّةٍ لم تكتملْ ملامحُها الكاملةُ بعْدُ، وأعني؛ ظاهرةَ الكتابةِ عن العودةِ إلى فلسطين مِنَ المنافي أو الشّتات، والّتي أنتجتْ حتّى الآنَ أعمالاً أدبيّةً رائعة، أذكرُ منها مثالاً لا حصرًا: "رأيت رام الله" لمريد البرغوثي، و"منازل القلب" لفاروق وادي، و"الحنين- حكاية عودة" لفيصل حوراني.

تدورُ فكرةُ "السّيّدةُ مِن تل أبيب" حوْلَ فلسطينيٍّ يعودُ بجنسيّةٍ أجنبيّةٍ إلى قطاع غزّة عن طريق إسرائيل، بعدَ غيابٍ طويل (نحو أربعة عقود)، وحوْلَ مفارقاتِ عودتِهِ. في البدايةِ اختارَ الكاتبُ فلسطينيًّا آخرَ لهذهِ العودةِ كي يكتبَ عنها، لكنّهُ في مرحلةٍ لاحقةٍ قرّرَ الكاتبُ نفسُهُ، وتجاوبًا مع اقتراح زوجتِهِ، أن يقومَ بنفسِهِ بزيارة غزّة، متطلِّعًا إلى تحقيق هدفيْن: أوّلاً، زيارةَ أمِّهِ وأهلِهِ؛ ثانيًا، تتبُّع مسار روايتِهِ الأصليّة، والوقوفُ عن كثبٍ على التّفصيلاتِ الّتي يمرُّ بها البطل الأوّل في رحلتِهِ واختبارِها. وهكذا فإنّهُ تحوّلَ إلى مؤلِّفٍ وبطلٍ وراوية، يبحثُ عن التّفصيلاتِ في الواقع والرّوايةِ، في الحقيقةِ والظّلّ.
بطبيعةِ الحال، فإنَّ رحلةَ الكاتبِ تُرافقُها أحداثٌ وشخصيّاتٌ ومصائرُ، يَسردُها بأناةٍ وعينٍ فاحصة. وثمّةَ في الكتاب أكثر مِن روايةٍ تحكي ذلكَ كلّهُ: هناكَ أوّلاً حكايةُ الرّواية، وثانيًا حكاية "السّيّدة من تل أبيب"، الّتي تقدّمُ قصّةَ اللّقاءِ مع شخصيّةٍ إسرائيليّةٍ في الطّائرةِ المُتّجهةِ إلى مطار تل أبيب، وثالثًا حكايةُ "ظلاّنِ لبيتٍ واحد"، عن قصّةِ العودةِ إلى غزّة وما انتهتْ إليه.
في الحواراتِ الّتي أدلى بها الكاتبُ إلى بضْع صحفٍ عربيّة، أكّد أنّ "السّيّدة من تل أبيب" تنتمي إلى "الرّواية الجديدة". ومِنَ المعروفِ أنّهُ في فترةٍ ما بعد الحرب العالميّة الثّانية، في الخمسينيات مِنَ القرن العشرين الفائت، ظهرَ شكلٌ تجريبيٌّ في فرنسا للرّوايةِ، عُرِفَ باسْمِ الرّواية الجديدة، وقد رفضَ أصحابُ هذا الاتّجاهِ السّماتِ التّقليديّةَ للرّواية، مثل الحبكة المنظّمة والشّخصياتِ واضحةِ المعالم، وركّزوا على وصْفٍ دقيق للأشياء والأحداث كما هي. ومثّلت هذا الاتّجاه، أكثر شيءٍ، روايةُ آلان روب جرييه "الغيرة" (1957). وقد تبنّتْ بيانات كتّاب الرّواية الجديدة مجموعةُ رؤى، تدعو إلى نبْذِ النّموذج الرّوائيِّ السّائد، والّذي كانَ يوغلُ كثيرًا في تدوين الحدَثِ، مِن خلالِ السّردِ التّقليديِّ أو الواقعيِّ المباشر، الّذي يميلُ إلى الفلسفيّة على حساب الجسدِ الفنّيِّ للنّصّ الرّوائيّ، وكذلك التّخلّي عن أفكارٍ ورؤًى أنتجَتْها ثقافةُ مجموعاتٍ أو طبقاتٍ لها سطوتُها في المجتمع، لكن مِن بينِ هؤلاءِ الكتّاب، يبدو المدهون أقرب إلى كلود سيمون، الّذي تبنّى طرحًا كان نتاجًا لرؤيةٍ ذاتيّة، فيها الكثير مِنَ الجرأةِ والتّجاوز للتّقليديّ والسّائد، مِن خلال محاولةٍ جادّةٍ لابتكارِ شكلٍ فنّيٍّ، فيه مِنَ الثّراءِ والتّدفّق ما يجعلُهُ مميّزًا في طرْح رؤياه.

مِن خلالِ قراءةٍ تحليليّةٍ لمساراتِ الحدثِ في نصّ كلود سيمون، نجدُ أنّ الخطوطَ المرتبطةَ بالثّيمةِ الرّئيسةِ تمتدُّ، لتتّصلَ بثيماتٍ ثانويّةٍ متتالية، والمُلفتُ للنّظر، أنّ التّدفّقَ اللّغويَّ والتّجسيدَ الوصفيَّ لتلكَ الثّيماتِ، يتمُّ معالجتهما بنفس القدْر مِنَ الاهتمام بالثّيمةِ الرّئيسة، هذهِ المعالجةُ تنتجُ مجموعةَ انفعالاتٍ، تكشفُ بوضوحٍ العلاقةَ الجدليّةَ ما بينَ البؤرةِ الرّئيسةِ للحدث والمحيط الزّماني والمكاني، إذ لا يمكنُ لحدثٍ أن ينموَ ويتفاعلَ بمعزلٍ عن المحيط، وكلّما كانتِ الجدليّةُ بينَ الحدَثِ وامتدادِهِ مُجسّدةً ومؤثّثةً فنّيًّا، كانتِ الرّؤيةُ المطروحة محتكمةً إلى ثراءٍ فكريٍّ ومصداقيّة، أكثرَ تأثيرًا في ذاكرةِ القراءة، الّتي تُمثّلُ الهاجسَ المباشرَ لرؤيةِ النّصّ. وبطريقةٍ أخرى، يمكنُ فهْم العلاقةِ ما بينَ الكاتب والنّصّ في لحظةِ الكتابة، مِن خلال تصَوُّرِ القصديّةِ أو الغائيّةِ في تدوين الحدَث، أي هل الكاتبُ يُفكّرُ بتدوين مشهدٍ معيّنٍ بنفس التّركيز الّذي يُدوِّنُ بهِ المشاهدَ المرتبطة؟ وهل الكاتبُ في معالجتِهِ مجموعةَ حوادث تتّصلُ فيما بينها، يقصدُ أن يعكسَ تصُوّرًا أكثرَ وضوحًا عن حالةِ التّداعي الّتي يمُرُّ بها في لحظةِ الكتابة؟
إنّ مثلَ هذه التّساؤلاتِ تجعلُنا نتأمّلُ هذا النّصَّ بحذرٍ وخوفٍ أحيانًا: الخوفُ مِن لحظةِ التّشظّي والانفلاتاتِ الجامحةِ، للّغةِ الّتي يقتحمُ بها الكاتبُ لحظاتِهِ البكْرَ، ليزرعَ الهاجسَ في مجموعةِ بيئاتٍ وأزمنةٍ تنشغلُ باستحالاتٍ وتداعياتٍ مرصودةٍ مِن قِبَلِ الكاتب، الّذي يُحاولُ مِن خلالِ خلخلةِ المشاهدِ، والحذرِ مِن لحظةِ التّماهي، أن يُؤسّسَ بعيدًا في حقولٍ لا تنتمي إلى النّصّ. مهما يكن، فإنّ المحصّلةَ هي تقديمُ رؤيةٍ جديدةٍ في التّعامل مع النّصّ الأدبيّ، الّذي يتطلّعُ إلى تدعيم حالةِ الوعي، مِن خلال تطويرِ آليّاتِ التّعاملِ مع النّصّ.
إنّ العلاقةَ بينَ المدهون والرّواية الجديدة، تكمنُ في طرْحِ مجموعةِ مفاهيم أنتجَها النّصُّ وليسَ العكس، أي أنّ رؤيتَهُ التّحديثيّةَ تجلّتْ في انشغالِهِ في إنتاج ما يفكّرُ فيه في لحظةٍ معيّنة، بشكلٍ متوازن مِن حيث المؤثّرات البيئيّةِ والدّوافع النّفسيّة، الّتي تساهمُ في تدوين الحدَث، وما ترتّبَ على ذلك، هو تأسيسُ حالةٍ مِنَ الانسجام في تدوين رؤيةٍ عميقةٍ للواقع، مِن خلال نسْجِ صورةٍ متخيّلةٍ مغايرةٍ تمامًا لِما يطرحُهُ الأدبُ التّقليديّ، الّذي استهلكَ مساحةً كبيرةً مِنَ الذّاكرة الأدبيّة.

داخلَ هذا المعمارِ الفنّيِّ، يَهمُّني أن أشيرَ إلى ما يلي مِن علاماتٍ لافتةٍ في الرّواية:
(*) تُطلُّ علينا غزّة بما تحملُهُ مِن دلالةِ المشهدِ الفلسطينيّ الرّاهن وتراجيديّتِهِ كلِّها، فالحياةُ في غزّةَ أشبه بعيشٍ طارئٍ في حياةٍ طارئة، عيش مِن أجل الموتِ الّذي مضى والموتِ الّذي سيأتي، غزّةُ الّتي كبرتْ خمسين عامًا إلى الوراء.. غيرَ أنّ الكاتبَ يُقدّمُ هذه العناوينَ ضمنَ لعبةِ سردٍ لحالاتٍ إنسانيّة، تبدو لأوّلِ وهلةٍ محدّدة، إلاّ إنّها تنطوي على معاني التّجريد كلّها. أعتقد أنّ ذلك راجعٌ أكثر مِن أيّ شيءٍ آخر، إلى أنّ الكاتبَ يجعلُ مِنَ العودةِ ومِن العلاقةِ بينَ المنفى والوطن تجربةً وليس موضوعًا.
(*) تكتسبُ هذهِ الرّوايةُ جدّتها أيضًا مِن تعامُلِها مع الشّخصيّة الإسرائيليّة، وهو تعاملٌ يقومُ على العناصر التّالية، الّتي تُعتبرُ فتحًا في القصِّ العربيِّ والفلسطينيّ:
- أنسنة هذه الشّخصيّة، باعتبار ذلك الخطوة الأولى للمواجهة المطلوبة معها؛
- محاولة الاستئناس بـ "المنظور الإسرائيليّ" لقراءة أو على الأصح لعرض ما يحدث في داخل الكيان الإسرائيليّ، فالسّيّدةُ من تل أبيب تُقدّمُ النّماذجَ البشريّةَ الإسرائيليّةَ، في إطارِ طيفٍ واسعٍ مِنَ الشّخوص والرّؤى، ينمُّ عن إلمامِ الكاتب بتفصيلاتِ وخفايا ونواظم المشهد الإسرائيليّ؛
- تفنين صراع الذات/ الأنا والآخر، مِن خلال ازدواجيّةِ الرّؤى والمشاعر والأحاسيس؛
- جعَلَ المؤلّفُ أبطالَهُ اليهودَ يتكلّمون فيما بينهم بلغتِهم الأمّ، ذلك بأنّ اللّغةَ تعتبر عنصرًا مركزيًّا مِن عناصر الهويّة. ويمكن القول، إنّ الكاتبَ في تعاملِهِ هذا قد تفوّق أخلاقيًّا على الكُتّاب الإسرائيليّين، الّذين يستنكفون عن الاستئناس بالمنظورِ الفلسطينيّ، والّذين يتجاهلون عنصرَ اللّغةِ، كما شهدْنا مؤخّرًا في مسرحيّة "عائد إلى حيفا"، الّتي مسْرَحَها كاتبٌ إسرائيليٌّ عن رواية بالاسم نفسِهِ لغسّان كنفاني، وجعلَ الزّوجيْن الفلسطينيّيْن فيها- سعيد س. وصفية- يتكلّمان بالعبريّة، لا معَ الشّخصيّاتِ اليهوديّةِ وحسب، بل أيضًا فيما بينهما، وهكذا صادرَ منهما حقَّ التّكلّم بلغتهما الأمّ، وبدا ذلك أقرب إلى استمرار الاحتلال لكن بطرق ناعمة.

(*) إنّ الظِلَّ هو شخصيّةٌ مركزيّةٌ في الرّواية، وربعي المدهون يُعمّقُ مِن خلال ذلك تقليدًا إبداعيًّا في الأدب الفلسطينيّ، جرى في نطاقِهِ توظيفُ الظّلِّ لبناءِ خريطةٍ بديلةٍ لفلسطين بعدَ النّكبة، وباعتبارِهِ شاهدًا على ماضٍ بُتر تحتَ وطأةِ الاستعمار الصّهيونيّ، فضلاً عن إحالاتٍ أخرى في سياق توصيفِ تعقيداتِ الحياة لدى الفلسطينيّين، وكذلك لدى الإسرائيليّين.
(*) الخلطُ بينَ اللّغةِ الفصحى واللّغة المحكيّة والأصوات، ساهمَ كثيرًا في جعْلِ النّصّ حميميًّا ومتدفّقًا.
(*) تضمّنتِ الرّوايةُ إشاراتٍ لم تكن مقحمـة إلى ما يمكنُ اعتباره "بيان الكاتب الرّوائيّ"، مِن قبيل ما يلي: "مِن عادتي مناقشةُ أبطالي في الوقائع الأساسيّة في حياتِهم"؛ "الرّاوي مهما ذهبَ في التّخييل لا يبلغُ حافّةَ الحقيقة... أن تسمع عن معبرٍ إسرائيليّ أو تكتبَ عنه، لن ترسمَ سوى ظلاًّ له، يكبرُ أو يصغرُ ويقصرُ أو يطولُ، بقدْر ما تُلقي عليه مِن ضوء. أمّا الحقيقةُ نفسُها فعَصيّةٌ على الخيال نفسِهِ وعلى الرّواة".
(*) لا شكّ في أنّ هذهِ العلامات اللاّفتة، وهي الأبرزُ في الرّواية، تغفر بعضَ الهنّاتِ الهيّناتِ، ولا سيّما في مَجالَي التّعابير العبريّة، وتحديدِ الأماكن الجغرافيّة.
(*) أخيرًا إذا أردتُ إجمالَ العناصر المتميّزةِ، الّتي يمكنُ استقطارها مِن هذا الصّنف مِن الرّوايةِ الفلسطينيّة الجديدة، فإنّي أستقطرُ العناصرَ الآتية:
* أوّلاً- هذا الصّنفُ له تعبيرُهُ الاجتماعيُّ والثّقافيّ، ولَهُ شهادتُهُ المخصوصة على المجتمع.
* ثانيًا- فيه انخفاضٌ في نبرةِ الصّراخ والأدلجة، بل وحتّى التّرميز كما في شخصيّةِ الأمّ.
* ثالثًا- ينطوي على اقتحامِ مناطقَ لم تكن الطُّرُقُ إليها مشقوقةً في مجال التّجريب والتّجديد.
* رابعًا- تحدّي تابوهاتٍ اجتماعيّة وثقافيّة، (كما يمثل على ذلك الموقفُ من مثليّي الجنس، مقارنةً بموقف علاء الأسواني في "عمارة يعقوبيان").
ولعلّ هذه العناصرَ الأربعةَ كلّها ناجمةٌ، عن أنّ علاقةَ هذا الأدب الجديدِ مع المجتمع، تبدو من وجهةِ نظري، علاقةً خاليةً مِن الخجل أو التّنكّر.
ومثلُ هذه العلاقة تندّ عن دلالةٍ مزدوجة: هناك مِن جهةٍ تصالحٌ مع هذا المجتمع. وهناك من جهةٍ أخرى، قدرةٌ فائقةٌ على نقدِ هذا المجتمع.
مِن هنا نصلُ إلى عنصرٍ خامس، هو الصّدقُ في عرْض الواقع.

تتميّزُ لغةُ الرّوايةِ بأن فيها إيحاءات، لكنّها في الجوهر لغةٌ مباشرة، وهي المؤهّلةُ وحدها للتّعبير عن العالم الّذي تصفُهُ باعتبارِهِ عالمًا حادًّا، عنيفًا، حارًّا، تكْذبُ أيّ لغةٍ أخرى لو حاولتِ التّعبير عنه. لغة تبتعدُ عن الكتابةِ الطّهرانيّة، سجينة البلاغة العربيّة.
إنّ أكثرّ ما يُكرث ربعي المدهون في هذه الرّواية، يتمثّلُ في تصوير الحاضر كما نعيشه من دون تحوير. ومِن هنا كان صِدقُهُ المتناهي في عرض هذا الحاضر كما هو، مِن غير تفلسف أو ادّعاء، ومن غير رغبة في أن يستخلص منهُ الدّروس ،أو أن يستقي منه العِبَر، (وهذا ما تؤكّدُهُ النّهاية المفتوحة). لكن نفْيَ التّفلسفِ مِن ظاهر الكتابة، لا يعني غيابَ أيِّ تصوّرٍ أو رؤيةٍ فلسفيّةٍ عن أفقِها..
إنّ مثلَ هذا التّصوير يتوافرُ على ما يمكنُ اعتباره "دعوة مزدوجة" مِن لَدُنِ صاحبِها.
إنّها دعوةٌ من جهةٍ، إلى أن نتخلّى عن جهْلِنا أو تجاهلِنا لواقع يملؤُهُ الصّدأ والبثور، ومِن جهةٍ أخرى دعوةٌ لأن نلعبَ ورقة الكينونة، ضدَّ انتهازيّةِ "ما يجب أن يكون."... فالكينونة برغائبِها وعلائقِها المادّيّةِ والنّفسانيّة واشتهاءاتِها، هي أيضًا مِن العناصر الأساسيّةِ، الّتي ستُسعفُنا في إزالةِ الغشاوةِ ومدِّ الجسور، لمصالحةِ الذّات